“تزورني كثيرا ،كم هي رائعة! هل وجودنا معا يعني بأننا من نفس الفئة؟حقّاً لا ادري .. هي في نهاية العقد الرابع من عمرها ولكن يا إلهي كم هي جميلة … بشعرها الكستنائي المسدل على كتفيها واناقتها التي لا تفارقها أبدا ورائحة العطر المنبعثة دائما .. أتمنى لو خُلُقت بهذا الجمال وهذه الرقة ولكن لا بأس انا اعتني بنفسي جيدا ورغم بطني المترهلة من الولادات الست المتوالية ، وعينيّ الغائرتين المسودّتين من قلة النوم وبشرتي الجافة من أثر الرضاعة أنا في أوائل الثلاثينيات وما زال لدي الوقت لاستعادة جمالي كما ان زوجي يحبني رغم كل هذه العلل … وهي على جمالها وغنجها لم تستطع الحفاظ على زوجها وعائلتها، فابنها الوحيد يربيه أبوه وكل ما تلتفت له هو نفسها… لكن لا بأس صداقتنا جميلة لا اعرف ان كنت احبها او لا.. ولكن شيئاً ما يجذبني لصحبتها كما انها تحب زيارتي في منزلي رغم أنّها قليلة الكلام فإننا نستمتع بشرب القهوة والتندر على زملاء العمل في بعض الاحيان .. فهي لديها الكثير من المعرفة بأحوال الزملاء الذين لا أجرؤ أنا حتى على إلقاء التحية عليهم .. لا اعرف لماذا أنا هكذا .. لو كنت مثلها ربما كنت استطيع أن أحصل على ترقية في عملي ….. لا استغفر الله استغفر الله نعم هي صديقتي لكني لا اريد أن اكون مثلها .. لا زلت أذكر كيف استطاعت انهاء صفقة كاملة عبر الهاتف فقط بصوتها وانتقاء كلماتها بدقة وتلك الضحكات القليلة .. لا بد انها بدت على الهاتف بذلك الصوت وطريقة الكلام اجمل بألف مرة مما هي في الواقع .. رغم كل شيء فانا لا زالت لدي مخافة الله ولا اريد أن أصل الى ذلك الحال ثم إنّ تصرّفاً كهذا لا يرضي زوجي الذي طالما حضّني على ترك هذه الصحبة … وماذا يهمه هو طالما انا احافظ على نفسي فما السوء بهذه الصحبة؟ انا فقط استمتع بذلك” ..
قطعت حبل أفكار ابتسام بسؤالها :
- عزيزتي ربما زوجك ينزعج من زيارتي لك في يوم العطلة ؟
- ها… لا لا .. لا باس بإمكانك زيارتي في أي وقت .. ثم انه اليوم مشغول بتصليح اعطال الكهرباء بما ان الاولاد في زيارة لجدتهم..
- جميل..
أمسكت خصلات شعرها عن وجهها ووضعته خلف اذنها ليظهر ذلك القرط الطويل الجميل على رقبتها ،وظهر من خلف أذنها الرسم الجميل ينزل من خلف أذنها إلى وسط رقبتها البيضاء الطويلة، أمسكت فنجان القهوة وارتشفت منه القليل …
ذهلت ابتسام من كم الجمال الذي رأته في حركة واحدة وفكرت ما هو يا ترى هذا الرسم؟ أهو ورد أم فراشات لا بد ان يكون المرء شديد القرب منها ليستبين؟!…
- ابتسام ما رأيك أن نخرج إذا .. أعرف مقهى جديد افتتح حديثاً والجلسة فيه رائعة ..
- اممم دعيني اخبر زوجي وارتدي ملابسي … او لا بأس سأرتدي ملابسي واخبره أثناء ذلك بإمكانك انتظاري هنا ..
- سأنهي القهوة وانتظرك في السيارة …
- تمام..
“سألبس أفضل ما لدي ..أيّهما افضل أن أضع الكثير من المساحيق أم أن أكتفي بالقليل منها .. اه العطر سأستخدم ذلك العطر الذي اشتريته قبل حفل زفاف اخي ان رائحته نفاذة .. وسأضع المساحيق الظاهرة مع بعض الألوان الفاتحة والامعة لا استطيع أن أظهر اقل جمالا منها صحيح أنني أغطي شعري بالحجاب ولكن الحجاب بإمكانه ان يزيد الفتاة جملا خصوصا ان شعري مجعد … اممم كم لي من الوقت أتزين …..”
نظرت إلى الساعة واذا بها قد مرّت نصف ساعة .. وكأن شخصاً ما قد ضربها بباب الغرفة المقفلة عليها … أدركَت شيئاً لقد تركت صديقتها وحدها نصف ساعة … وزوجي أين زوجي … ذهبت تركض الى المكان الذي تركتها فيه وهي تفكر بنفسها .. “كيف اتركها وحدها وزوجي في المنزل … لا هو لن يبالي بها أليس كذلك ؟؟ ليس كلّ الرجال ضعاف النفوس يتأثرون بالألاعيب… ثم انه لا يحبها ويحضّني دائما على ترك صحبتها”… نزلت الدرجات راكضة الى حيث زوجها .. نظرت اليه فرأته منشغلاً بالأسلاك والأضواء .. هدأت نفسها ..
- سأذهب مع صديقتي لمقهى جديد لساعة أو ساعتين …
حرك رأسه ولم يعلق أو ينظر اليها ..
وصلت الى الباب ونظرت الى صديقتها في السيارة وادركت وهي خارجة انه لم يخالفها ولم يحاول منعها فهو عادة يسمح لها بالخروج معها بعد الكثير من الشجار .. ثم أنه لم يعلق على ملبسها فهو حتما لا يحب المساحيق وخاصة لا يحب العطر خارج المنزل .. ما به شعرت بظلام قليل يحيط قلبها…
وصلن للمقهى وجلسن يشربن القهوة مع قطع الحلوى الصغيرة على انغام الموسيقى الناعمة … استغربت ابتسام من سلوك صاحبتها فهي تركز على الهاتف طوال الوقت وتضحك اثناء ارسال الرسائل ثم تنظر اليها وتبتسم فكرت ابتسام “ان مزاجها اصبح رائعا الان لقد كانت شبه عابسة في المنزل اعرفها جيدا واعرف هذا النوع من السعادة على وجهها .. لا بد انها حققت شيئاً تصبو اليه منذ وقت طويل … فهي لا تظهر على وجهها هذه السعادة الا عند تحقيق انجاز ما ” .. وفجأة ازداد في قلبها السواد .. ربما ادركت شيئاً ….. حاولت تكذيب ظنونها … مرّت نصف ساعة ثم قالت لابتسام ..
- ابتسام حبيبتي لدي عمل طارئ وصلني الان اعذريني لكني يجب أن أذهب..
- امم لا بأس..
- أوصلك أم تطلبين سيارة أجرة ؟
- لا بأس سأطلب سيارة …
- لا لا لازال لدي وقت سأوصلك .. انا أصر…
جلست ابتسام في السيارة يعلو وجهها السواد .. ولم تتكلم وواصلت صديقتها الرد على الهاتف مع الضحكات والابتسامات.. وصلت الى المنزل ونزلت من السيارة ..
دخلت منزلها وتوجهت الى زوجها …
- لقد عدت بسرعة ..
- لديها عمل مهم عليها القيام به…
- اها..
اقتربت من زوجها ونظرت في وجهه… - لقد حدث شيء ما…
- لا اعرف عن ماذا تتحدثين .. ما الذي حدث..
- حدث شيء بينك وبينها ..
- ماذا؟
- اقول حدث شيء بينك وبين رفيقتي .. اشاح بوجهه ولم يكلمها …
- قلي كيف تفعل ذلك … أنظر الي .. (امسكت بوجهه )اقول لك أنظر الي ..
- حسنا سأنظر لك ماذا تريدين … ألستِ انت من يحضرها الى المنزل دائما؟ … ماذا كنت تتوقعين؟؟
- لقد قبلتها .. استطيع ان ارى ذلك على وجهك..
- لا هي من قبلتني …. صدمت وامتلأ قلبها بالسواد وشعرت بالغضب دموعا تنزل من عينيها … أردف زوجها صائحاً
- اتت وقالت ارى انك تحسن العمل بيديك وسألتني ان كنت استطيع اصلاح قرطها المكسور … ورأيت الوردة التي يلتف عليها سلك شائك على رقبتها … لم اعرف ماذا اقول لها وفاجئتني بالقبلة … لم اقصد صدقيني لم اقصد..
- ثم ماذا ضحت وهزت خصرها ويدها !!! ( صدم الرجل من ردها كأنها رأتهما …)
- ماذا؟!
- ولم لم تصدها؟ ..
- ماذا ؟.. لا اعرف .. لم استطع..
- لم تستطع ؟لقد وقعت بألاعيبها انت تحبها اليس كذلك .. لقد سحرتك بجمالها واسلوبها؟؟
سكت زوجها ولم يقل شيئا ثم نظر للخارج ..
- لما لا تقول شيئاً … أقول لك أتحبها … اجبني … وصرخت : أقول لك أجبني…..
- نعم أنا احبها… تعتقدين انها المرة الاولى التي تقترب مني فيها .. في البداية قلت لك لا تستقبليها… ثم انني بدأت أحبها .. أحبها جدا بكل تفاصيلها
- وأنا ؟؟؟…
لم يجب زوجها
- تعتقد انها فعلا تحبك ؟.. انها فقط تتسلى بالرجال وتعد محبيها كما يعدّ أبطال الرياضة الميداليات والكؤوس .. انها لا تحبك.. أنها لا تحب أحداً ..
- لا يهمني .. انه ذنبك انك احضرتها الي .. اذا كنت تعرفين أنها كذلك لما ادخلتها بيتنا؟..
- كيف ذلك ذنبي .. ثم ادركت في نفسها … “نعم انه ذنبي انا اعرفها جيدا واعرف اساليبها وطريقة حياتها .. رغم ذلك أدخلتها بيتي وعرفتها بأهلي .. كنت اظن انها صديقتي ولن تفعل بي ما تفعله بغيري..ولكن ماذا فعلت بنفسي … أضاع حقاً حب زوجي لي؟؟ .. ماذا افعل أأترجاه لينساها ويعود لحبي .. كيف ذلك .. ام اذهب اليها لأضربها وأفجّر غضبي بها؟.. ما الفائدة.. “
- أأحقا.. الآن لم تعد تحبني ؟
- ليس الأمر كذلك …
- اتريد أن تتزوجها ؟؟ هي لن تتزوجك ..
- حتى لو كانت ستتزوجني لا اريد تدمير عائلتي ..
- حقاً.. اذا ماذا نفعل الآن؟؟ … سكت ولم يقل شيئاَ…
- قلت لك ماذا علي أن أفعل الآن؟؟
نظر اليها نظرة حزينة بعينين غير العينين الّلتين اعتادتهما منه وقال : لا شيء … لن نفعل شيئاً..
وغادر الغرفة …